تُعدّ النجوم من أهم الأجسام الفلكية التي شكّلت ولا تزال تشكّل مختبرًا طبيعيًا لدراسة القوانين الفيزيائية في ظروف قصوى. فمن خلال تتبّع دورة حياة النجم، يمكن فهم كيفية تحوّل المادة والطاقة عبر مراحل زمنية تمتد لمليارات السنين، حيث تبدأ حياة النجم من سحابة غازية وتمر بمراحل تطورية متعددة تعتمد بشكل أساسي على كتلته الابتدائية.
من بين النهايات المحتملة للنجوم متوسطة الكتلة، يبرز القزم الأبيض بوصفه مرحلة نهائية مستقرة نسبيًا، يمثل بقايا نجمية ذات كثافة عالية وخصائص فيزيائية غير اعتيادية. وعلى الرغم من صغر حجمه مقارنة بالنجوم العادية، إلا أن القزم الأبيض يتميز بظروف فيزيائية متطرفة تجعله مثالًا فريدًا لدراسة سلوك المادة في حالات لا يمكن الوصول إليها في المختبرات الأرضية.
في هذا المقال، يتم تناول القزم الأبيض كنظام فيزيائي تحكمه قوانين ميكانيكا الكم والفيزياء الإحصائية، والتي تلعب الدور الحاسم في تحديد بنيته واستقراره.
يُستخدم مخطط هرتسبرونغ–راسل (H–R diagram) لفهم المراحل المختلفة لتطور النجوم، إذ يربط بين لمعان النجم ودرجة حرارة سطحه. تقضي معظم النجوم الجزء الأكبر من حياتها في مرحلة التسلسل الرئيسي حيث تستمد طاقتها من اندماج الهيدروجين في النواة.
عند نفاد وقود الهيدروجين، يغادر النجم هذه المرحلة ويتحول، اعتمادًا على كتلته، إلى عملاق أحمر ثم إلى مراحل تطورية لاحقة. بالنسبة للنجوم متوسطة الكتلة، تنتهي هذه الرحلة بطرح الطبقات الخارجية للنجم، بينما ينكمش اللب المتبقي تدريجيًا ليشكّل قزمًا أبيض يظهر في منطقة ذات حرارة مرتفعة ولمعان منخفض على مخطط هرتسبرونغ–راسل، نتيجة صغر نصف قطره مقارنة بالنجوم الأخرى.
تشكّل القزم الأبيض
ينشأ القزم الأبيض عندما يستنفد النجم متوسط الكتلة وقوده النووي من الهيدروجين ثم الهيليوم. ومع توقف التفاعلات الاندماجية في القلب، تفقد الضغوط الداخلية قدرتها على موازنة الجاذبية، فتُقذف الطبقات الخارجية للنجم إلى الفضاء مكوّنةً في كثير من الحالات سديمًا كوكبيًا، بينما يبقى اللب المركزي شديد الانضغاط ليشكّل القزم الأبيض.
يتكون هذا اللب غالبًا من الكربون والأكسجين، ويؤدي الانكماش الشديد إلى وصول المادة داخله إلى حالات فيزيائية غير مألوفة تتميز بكثافات عالية للغاية.
خصائصه الفيزيائية
تكون كتلة القزم الأبيض من رتبة كتلة الشمس، في حين لا يتجاوز نصف قطره نصف قطر الأرض تقريبًا. يؤدي هذا الانضغاط الشديد إلى كثافات هائلة تصل إلى قيم من رتبة
في هذه الظروف، تفقد الذرات بنيتها التقليدية، حيث تنفصل الإلكترونات عن الأنوية، مكوّنة وسطًا فيزيائيًا غير كلاسيكي.
ولا تقتصر الخصائص الفيزيائية للقزم الأبيض على الكثافة المرتفعة فقط، بل تشمل أيضًا درجات حرارة سطحية قد تصل إلى عشرات آلاف الكلفن في مراحله المبكرة، إضافةً إلى لمعان منخفض نسبيًا ناتج عن صغر نصف قطره مقارنةً بالنجوم العادية.
كما تُظهر الأطياف الضوئية للأقزام البيضاء خطوط امتصاص مميزة، تعكس تركيب أغلفتها الجوية، التي تتكون غالبًا من الهيدروجين أو الهيليوم، في حين تكون العناصر الأثقل غارقة في الداخل بفعل الجاذبية القوية.
وعلى سبيل المثال، يعد القزم الأبيض سيريوس B من أشهر الأقزام البيضاء المعروفة رصديا ، إذ يمتلك كتلة قريبة من كتلة الشمس، بينما لا يتجاوز نصف قطره حجم كوكب الأرض. وقد شكّل رصده أحد أوائل الأدلة الرصدية على وجود أجسام فلكية شديدة الكثافة.
القزم الأبيض والفيزياء الإحصائية
لا يمكن وصف المادة داخل القزم الأبيض باستخدام قوانين الغازات الكلاسيكية. إذ تشكّل الإلكترونات غازًا كموميًا يخضع لإحصاء فيرمي–ديراك. ووفقًا لمبدأ باولي للاستبعاد، لا يمكن لإلكترونين شغل الحالة الكمومية نفسها، مما يؤدي إلى امتلاء الحالات الطاقية حتى مستوى يُعرف بطاقة فيرمي. ويُعد القزم الأبيض مثالًا فلكيًا مباشرًا على نظام فيرمي متحلل، كما يُدرّس في الفيزياء الإحصائية.
ضغط الانحلال الإلكتروني
ينشأ عن هذا التوزيع الكمومي ضغط داخلي يُسمى ضغط الانحلال الإلكتروني، وهو ضغط مستقل عن درجة الحرارة ويظهر حتى في حال انعدامها تقريبًا. ويُعد هذا الضغط العامل الأساسي الذي يمنع القزم الأبيض من الانهيار تحت تأثير الجاذبية، رغم الكثافة الهائلة للمادة داخله.
ينشأ عن هذا التوزيع الكمومي ضغط داخلي يُسمى ضغط الانحلال الإلكتروني، وهو ضغط مستقل عن درجة الحرارة ويظهر حتى في حال انعدامها تقريبًا. ويُعد هذا الضغط العامل الأساسي الذي يمنع القزم الأبيض من الانهيار تحت تأثير الجاذبية، رغم الكثافة الهائلة للمادة داخله.
التوازن الكمومي وحد شاندراسيخار
يتحقق استقرار القزم الأبيض نتيجة توازن دقيق بين قوة الجاذبية وضغط الانحلال الإلكتروني. غير أن هذا التوازن له حد أقصى يُعرف بحد شاندراسيخار، حيث لا يعود الضغط الكمومي قادرًا على مقاومة الجاذبية إذا تجاوزت كتلة القزم الأبيض قيمة حرجة، ما يؤدي إلى انهياره أو تحوله إلى جسم فلكي آخر.
القزم الأبيض ليس مجرد مرحلة متأخرة في حياة نجم، بل يمثل مختبرًا كونيًا تُختبر فيه قوانين ميكانيكا الكم على أوسع المقاييس. إن استقراره ناتج عن ضغط الانحلال الإلكتروني، وهو ظاهرة كمومية بحتة لا يمكن تفسيرها ضمن إطار الفيزياء الكلاسيكية.
توضح دراسة الأقزام البيضاء كيف تتداخل الفيزياء الإحصائية وميكانيكا الكم مع الجاذبية لتحديد مصير النجوم، وتبرز حدود هذه القوانين عند الوصول إلى حد شاندراسيخار. ومن خلال ذلك، يتبين أن القوانين التي تحكم سلوك الجسيمات الدقيقة هي نفسها التي ترسم المسارات النهائية للأجرام السماوية العملاقة.
إن فهم القزم الأبيض لا يثري معرفتنا بتطور النجوم فحسب، بل يؤكد وحدة القوانين الفيزيائية عبر مختلف مقاييس الكون، من الذرة إلى النجم
- المراجع
- Blundell, S. J., & Blundell, K. M., Concepts in Thermal Physics, Second Edition, Oxford University Press.
- White dwarf
- Understanding Our Universe – Third Edition
- Stacy Palen, Laura Kay, George Blumenthal