ماذا يتبادر إلى ذهنك حين تسمع بهذا الإسم؟
أشياءٌ سوداء غير واضحة، وتمتلك أنياب طويلة تطالُ الجميع!
إنها الثقوب السود يا سادة.
المقدمة:
الثقوب السوداء هي عبارة عن أماكن عالية الكتلة إلى الحد الذي لايتخيله الإنسان الطبيعي، ولازال العلماء إلى اليوم لايعرفون الكثير عن هذه الوحوش التي تبتلع كل شيء ولايعترضها شيء،
لا كوكب، لا نيزك، لا نجم، ولا أي شيء!
نعيش نحن البشر اللطيفون جدًا مع بعضنا في سلامٍ ومحبةٍ لاينتهيان على تلك النقطة الزرقاء الصغيرة، وهناك في الأعماق ترقدُ تلك الوحوش!
تبدأ القصة منذ عام 1915م حين قدم العالم الألماني الرائع: إلبرت آينشتاين نظريته "النسبية العامة" والتي فسرت الجاذبية بين جسمين على إنها بسبب تشوه في الزمكان في نسيج الفضاء بسبب الكتل العالية، ليتبين أن النسبية العامة تقدم شيء ما غريب جدًا على الورق! وهو كتلة عالية بشدة!
كتلة تسبب تشوه مهيب في نسيج الزمكان! لينطلق من هنا أول مفهوم للثقوب السوداء، وبقي الأمر مجرد إفتراض على الورق حتى تطور الأمر وتطورت التكنولوجيا بعدها ليتحول الأمر إلى نظرية كوننا قد رصدنا موجات غير عادية لاتسببها النجوم أو شيء آخر! هناك أمر مختلف!
يبدو أن صاحب الشعر الأبيض المنفوش على حق،
ليأتي عام 2019 ليصورَ فيه مجموعة من العلماء والخبراء الذين كرسوا وقتهم لهذا، أول صورةٍ حقيقية لثقب أسود! نعم! هذا هو الوحش الكوني كان ذلك الرجل على حق وبمعنىً أدق، كان العلمُ على حق! لتتالى بعدها صورتان آخرهم كانت صورة 8/2024 والتي تنبئ عن تفاصيل أكثر للثقب الأسود.
ولكن، كيف تولد هذه الوحوش العجيبة؟!
للعلماء في ذلك نظريات متعددة لم يتأكد أي منها، ولا يزال نشوؤها لغزًا يبحث عن حل، ولكن أشهر النظريات وأكثرها قبولا بين العلماء هي أن هذه الثقوب هي نتيجة نفاد الطاقة في النجوم العملاقة، وبيان ذلك أن النجوم ليست إلا مصانع عملاقة للطاقة، تنتج الطاقة بواسطة تفاعلات نووية هائلة، سببها الاندماج النووي بين ذرات الهيدروجين، وهو المكون الأساسي لمادة النجوم.
عندما تندمج ذرات الهيدروجين بعضها ببعض ينتج عنها غاز الهيليوم، والذي بدوره يندمج ليشكل عناصر أخرى أثقل، والأثقل يندمج ليشكل عناصر أكثر ثقلاً، وهكذا، في سلسلة تفاعلات ليست هي موضوعنا، وتنتج عن هذه التفاعلات النووية كميات هائلة من الطاقة، وهي التي ترسلها النجوم لنا على شكل أشعة، منها أشعة شمسنا، ويمكن لهذه التفاعلات أن تستمر لبلايين السنين حسب كمية المادة التي في النجم، فشمسنا مثلاً يقدر العلماء أنها نشأت قبل ستة مليارات سنة، وأنها ستستمر في إنتاج الطاقة أربعة مليارات سنة أخرى على الأقل.
وتبدأ قصة نشوء الثقوب السوداء حسب هذه النظرية، عندما تنفد طاقة النجوم العملاقة، التي تزيد كتلتها بما يزيد عن 25 ضعفا من كتلة الشمس، ذلك أنه أثناء العمر المديد للنجوم، يكون هناك توازن بين القوة النابذة الناتجة عن الاندماج النووي، والتي تدفع بمادة البنجم بعيداً عنه، وبين قوة التجاذب بين العناصر والذرات التي تكون مادة النجم، والتي تجذب المادة نحو مركز النجم، فيحافظ النجم على كتلته بشكل متماسك، حتى إذا نفدت طاقة النجم، تتغلب قوة الجاذبية على قوة الطاقة، فتنكفئ مادة النجم إلى مركزه، وتنضغط انضغاطاً شديدا بسبب كثافتها وقوة التجاذب بينها، وتشكل ثقباً أسود، وذلك بعد أن يحدث انفجار هائل، سببه التدافع الهائل الذي يحدث بين المادة الموجودة في مركز النجم نتيجة انضغاطه..
وهذا الانفجار الهائل هو ما يسميه العلماء (سوبرنوفا)، وهو يطرد الغلاف الخارجي للنجم وما تبقى من غازاته بعيداً في الفضاء، ويتحول مركز النجم العملاق كما أسلفنا إلى كتلة شديدة الانضغاط من المادة، هي الثقب الأسود، حتى إن بعض العلماء يتوقع أن تكون كتلة الثقب الأسود كلها مركزة في نقطة واحدة، ولكن لا يمكن الجزم بما يحدث في قلب الثقوب السوداء، فما زال العلماء يجهلون عنها أكثر مما يعلمون.