العودة
ثلج الملح

ثلج الملح طبيعة

ثلج الملح

 
في أخفض نقطة على سطح الأرض، تشهدُ أعماق البحر الميت ظاهرة جيولوجية غير مسبوقة، فقد أكتشف  تكوين رواسب ملحية عملاقة في قاع البحر، في عملية نادرة الحدوث لا يمكن رصدها في أي مكان آخر على الأرض إلا هُنا وحصرًا.
و أن ما يُعرف بـ العمالقة الملحية  يتشكل ببطء على مدى كيلومترات تحت سطح البحر الميت، حيثُ تمتد بعض الرواسب أفقيًا لعدة كيلومترات ويزيد سُمكها الرأسي عن كيلومتر واحد.

قبل ثمانينات القرن الماضي، كان البحر الميت بحيرة "طبقية" تُحافظ مياهها على ترتيب مستقر، طبقة دافئة وأقل ملوحة تطفو في الأعلى وأخرى أكثر ملوحة وأبرد في القاع، غير أن تحويل مجرى نهر الأردن وبناء السدود قلّل من تدفق المياه العذبة، ما رفع ملوحة السطح وسرّع التبخر وأدى إلى اختلاط الطبقات ومع هذا التحول إلى نظام مختلط موسميًا. 

وهُنا بدأت مرحلة جديدة من تشكل الرواسب الملحية.

إن أبرز نتائج هذهِ التغيرات كانت ظاهرة أطلق عليها العلماء اسم :
«ثلج الملح»
وهي بلورات من الهاليت تتساقط من الطبقات العليا نحو القاع ورغم أن الاعتقاد السائد كان أنها تتشكل فقط في الشتاء، إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت استمرار العملية حتى في فصل الصيف، ما يشير إلى دورة تكوين دائمة تغذي نمو العمالقة الملحية على مدار العام.

ويعزو الباحثون هذا السلوك الفريد إلى تفاعل معقد بين الملوحة ودرجة الحرارة وآلية فيزيائية تسمى:
 «الانتشار المزدوج» 
ففي الصيف، يؤدي التسخين الشديد والتبخر إلى زيادة ملوحة الطبقة السطحية، بينما تبقى الأعماق أبرد وأكثر استقرارا وعند التقاء الطبقتين، يبرد الماء السطحي ويهبط إلى الأسفل بينما يصعد جزء من الماء البارد، ما يخلق تيارات دقيقة كافية لتكوين بلورات الملح وانجرافها نحو القاع.

ويُعد البحر الميت واحد من المواقع القليلة التي يمكن فيها مراقبة هذه العملية في الزمن الحقيقي، ما يتيح للعلماء فرصة نادرة لدراسة تكوين العمالقة الملحية وتشير الأبحاث إلى أن ظواهر مشابهة وقعت قبل ملايين السنين خلال ما يُعرف:
 بـ«أزمة الملوحة المسينية» 
حين انقطع البحر الأبيض المتوسط عن المحيط الأطلسي وجف تدريجيًا، تاركًا وراءهُ رواسب ملحية هائلة لا تزال مدفونة تحت قاعهِ حتى اليوم.

ويأمل العلماء أن هذا الأمر يُفيد بالتنبؤ بكيفية تفاعل النظم الساحلية الجافة مع آثار تغير المناخ وارتفاع مستويات البحار وبينما يواصل البحر الميت إبهار الباحثين بظواهرهِ الفريدة، تبقى عملية تشكل العمالقة الملحية واحدة من أكثر الألغاز الجيولوجية إثارة التي لا يعرف العلماء حتى الآن متى – أو إن كانت ستتوقف .


المشاهدات: 5